دربارۀ نویسنده
حسن انصاری عضو هيئت علمی مؤسسه مطالعات عالی پرينستون، مدرسه مطالعات تاریخی است. همزمان در ایران او عضو شورای عالی علمی مرکز دائره المعارف بزرگ اسلامی است. وی همچنين عضو شورای مشاوران دائرة المعارف ایرانیکا (دانشگاه کلمبیا-آمریکا)، "عضو وابسته" مرکز ملی پژوهشهای علمی فرانسه (بخش مطالعات اديان کتاب) و عضو انجمن بين المللی تاريخ علوم و فلسفه عربی و اسلامی (پاريس) است. در فاصله بین سال های ۲۰۱۵ تا ۲۰۱۷ حسن انصاری به عنوان استاد مهمان با رتبه پروفسور در دانشگاه پرینستون، بخش خاور نزدیک تدریس کرد.
حسن انصاری، متولد سال ۱۳۴۹ شمسی در تهران است. تحصيلات خود را در رشته علوم تجربی در مدرسه علوی تهران در سال ۱۳۶۷ به پايان برد. انگيزه های خانوادگی و نيز تحصيل در مدرسه ای با آموزشهای دينی وی را از سالهای دورتر به تحصيل و مطالعه در ادبيات عرب، فقه و اصول و عقايد و معارف دينی واداشت. پس از دبيرستان، در گروه فلسفه دانشکده ادبيات دانشگاه تهران مشغول به تحصيل شد و در کنار آن دانشهای دينی کلاسيک را هم زمان ادامه داد. بدين ترتيب در کنار تداوم مراحل تحصيل در فقه و اصول و نيز کلام و فلسفه اسلامی، تا اندازه ای فلسفه های غربی را آموخت. علاقه به مطالعات و آموزشهای کلاسيک دينی و بهره وری از محضر استادان اين حوزه ها، او را همچنين به مطالعه تطبيقی باورهای مذهبی و کلامی و انديشه های فيلسوفان اسلامی رهنمون کرد و چند سالی را به تحصيل و مطالعه در کلام، حديث و عقايد شيعی و فلسفه اسلامی گذراند. حسن انصاری پس از چندی به مطالعه تاريخ روی آورد و آن را هم زمان در کنار ادامه تحصيل در زمينه فلسفه و دانشهای دينی کلاسيک مورد توجه قرار داد. در کنار همه اينها همکاری با دائرة المعارف بزرگ اسلامی دستمايه ای برای آشنايی با شيوه های تحقيق تاريخی و شناخت منابع کهن را برای او فراهم کرد. همکاری او با مرکز دائرة المعارف بزرگ اسلامی، در قالب تأليف، کتابشناسی و همکاری با کتابخانه مرکز، ويراستاری، رياست يکی از بخشهای علمی و عضويت در هيئت عالی علمی تا سالها تداوم داشت. در همين سالها به ويژه به سفارش مرکز دائرة المعارف به تأليف مقالات زيادی در حوزه تاريخ، رجال، کلام و فرق مذهبی پرداخت. از اوائل دهه هفتاد مطالعاتش را در حوزه فلسفه محض و فلسفه های مضاف در مکاتب مغرب زمين، اديان و تاريخ ملل و نحل گسترش داد. مدت زمانی در بيروت، علاوه بر مطالعه در نسخه های خطی، تحصيلات دانشگاهی خود را در حوزه فلسفه غرب و فلسفه و انديشه سياسی اسلامی ادامه داد و از نزديک با برجسته ترين متفکران و روشنفکران عرب آشنايی پيدا کرد و نزد برخی از آنها تحصيلات خود را پی گرفت. از اواخر دهه هفتاد و همزمان با ادامه تحصیلات در علوم دینی و حوزوی به نوشتن در مجلات علمی و دانشگاهی در ايران در زمينه های کلام و فرق، حديث، تاريخ و انديشه سياسی کلاسيک اسلامی آغاز کرد و مقالات متعددی در نشريات نشر دانش، معارف (مرکز نشر دانشگاهی) و برخی ديگر منتشر کرد. وی در همين دوره و نيز در سالهای بعد در چندين کنفرانس داخلی و خارجی شرکت کرد و مقالاتی ارائه نمود و همچنين با شماری از مؤسسات فرهنگی کشور در انجام پروژه های مختلف در زمينه های تاريخی و کتابشناسی همکاری نمود و در برخی نهادهای آموزشی داخل و خارج ایران، تاريخ علم کلام و ملل و نحل تدريس کرد. حسن انصاری سال ۱۳۸۱ ايران را به منظور ادامه تحصيل به قصد کشور فرانسه ترک کرد و تحصيلات تکميلی خود را در رشته فلسفه و تاريخ اديان در مدرسه کاربردی مطالعات عالی سوربن ادامه داد و نخست موفق به اخذ درجه ديپلم عالی گرديد (با تدوين دانشنامه ای در زمينه سهم محمد بن يعقوب الکليني در حديث شيعی) و سپس در همين دانشگاه در فروردين ۱۳۸۸ از رساله دکتری خود دفاع کرد (با تدوين پايان نامه ای در زمينه منابع انديشه امامت و غيبت در تشيع امامی).
او سال ۱۳۸۸ به برلين آمد و دوره پست دکتری خود را در دانشگاه آزاد برلين در چارچوب پروژه "علوم عقلی در اسلام قرون ميانه" طی نمود. او پژوهشگر ارشد علم کلام و فلسفه اسلامی در دانشگاه آزاد برلين (انستيتوی مطالعات اسلامی) و مدرس اصول فقه و تاريخ علم کلام در اين دانشگاه در طی سالهای گذشته بوده است. از او تاکنون مقالات متعددی در موضوعات تاريخ علم کلام و تشيع امامی در ژورنالهای خارجی منتشر شده است.
آمار بازدید
بازدیدکنندگان تا کنون : ۱٫۳۳۳٫۵۳۳ نفر
بازدیدکنندگان امروز : ۵۰ نفر
تعداد یادداشت ها : ۱٫۰۹۵
بازدید از این یادداشت : ۲٫۲۳۴

پر بازدیدترین یادداشت ها :
علم الكلام: دوره وخطابه ومساره

بالنسبة لموقع علم الكلام والمتكلمين في الإسلام لا بد لنا أن نتذكر ان الإسلام ديانة فقه وشريعة أكثر من كونه ديانة ثيولوجيا. وليس في الإسلام ما يشبه الكنيسة والسلطة الدينية الرسمية التي تحدد العقيدة الرسمية. ولذلك فإن علم الكلام في الإسلام يختلف تماماً مع الثيولوجيا المسيحية. فعلم الكلام في الإسلام لا يشبه الإلهيات عند المسيحية من حيث الدور والوظيفة؛ وفي حين كان في الإسلام قد تشكل لأجل الدفاع عن العقيدة الإسلامية تجاه المخالفين؛ ففي المسيحية كانت الإلهيات / الثيولوجيا تؤدي دورها كمنظومة تبين وتنظر لموضوع تجسد الله المسيح وكيفية اتحاد الأقانيم بما في ذلك من عقيدة تؤدي إلى النجاة بواسطة المسيح / المبشّر.
ولذلك، لا قداسة لعلم الكلام في الإسلام ولا الاعتقاد به يعتبر وسيلة للنجاة، ولا يعبر عن مؤسسة مقدسة رسمية تمثّل المسيح وملكوت الله، أعني بذلك الكنيسة. وهذه الوظيفة أي وظيفة الدفاع عن العقيدة الإسلامية والإيمان بالله والنبوة والمعاد مشتركة بين المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من المتكلمين. فإذاً، العقيدة في الإسلام عقيدة بسيطة، والإيمان ينبثق من الاعتقاد بالله الذي لا يكون بينه وبين العبد أية واسطة في تحقق الإيمان حسب الاعتقاد الإسلامي، ويشكل أيضاً من العمل (العمل بالأركان) حسب الشريعة، فالإسلام ديانة فقه، والحضارة الإسلامية حضارة نصّ مؤسِّس وفقه في جدلية مع الواقع وهو يجمع بين السياسي – الاجتماعي وبين الديني. وعلى هذا الأساس برزت في تاريخ الحضارة الإسلامية أهمية كبرى للفقه والشريعة، ولسنة السلف الصالح ، حسب المصطلح. فأما العقيدة في الإسلام فأهميتها تنبع من أهمية ضرورة استمرارية الجماعة – الأمة وعلاقتها بالسلف الصالح عموماً، ولا تنبع من أهمية المنظومة الكلامية (الثيولوجيا) بقدر ذاتها؛ لذلك،كان المتكلمون عموماً خارج السلطة الدينية، وکان دورهم أقل بكثير من الفقهاء؛ ولهذا السبب لم تكن المؤسسات الثقافية والتعليمية تدعم تعليم علم الكلام كثيراً، ولم تعطه أهمية تناسبه، وجعلت أولوية اهتماماتها القرآن الكريم ، وكذلك التفسير وعلم الحديث والفقه. وهذا التفسير يساعدنا في فهم سبب اختفاء المعتزلة بصورة شبه كاملة – مع أنهم في وقت من الأوقات كانوا موضع اهتمام الدولة والسلطات السياسية وذلك في القرون الأولى – والسبب أنهم لم يمتلكوا منظومة فقهية كاملة ومستقلة، ويتبعون الفقه الحنفي أو الشافعي عموماً. أما المتكلمون المعتزلة والفئات القريبة منهم بشكلٍ خاص كانوا يشكلون عموماً طبقة خاصة في المجتمع، وأحياناً يصلون إلى قطيعة مع الناس ومع "العوام" حسب مصطلحهم، ويرتبطون بطبقة الكتاب والوزراء والسلطة السياسية.
ولذلك ومع تقلص أو اختفاء الدعم السياسي، اضطر المعتزلة أن يتكيفوا مع الأوضاع المستجدة اجتماعياً ومنظومة، واضطروا أن ينسحبوا من مواقعهم التقليدية، ويذهبوا إلى مناطق بعيدة وهامشية في المدنيّة والحضارة الإسلامية مثل اليمن وأمثالها. وهذا الأمر يدفعنا إلى القول أنه مهما نتکلم عن علم الكلام، فإنه ينبغي أولاً التوجه نحو علم الكلام الأشعري أو الماتريدي؛ لما لهما من سيطرة علمية منذ القرن الخامس الهجري في أغلب الأحيان. فلذا لا بد أن نعتبرهما ممثلين لعلم الكلام الإسلامي عند أهل السنة والجماعة؛ وهو علم يتضمن الحجاج للعقائد الإيمانية بالأدلة العقلية (والأدلة العقلية هنا تعني الاستدلالات الجدلية عندهم ليس إلاّ) والرد على "المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات" عن مذاهب السلف وأهل السنة، حسب زعمهم.
ومن المعروف أن أبا حامد الغزالي كان ينتقد المتكلمين وعلم الكلام، ويعتقد أن فائدة علم الكلام تنحصر في إقناع الخصم والدفاع عن العقيدة ليس إلا، وأن الطريقة الكلامية والجدل الكلامي لا يفيد في الحصول على اليقين؛ ويقول حول ذلك في رسالة المنقذ من الضلال:
" ... وإنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة. فقد ألقى الله (تعالى) إلى عباده على لسان رسوله (ص) عقيدة هي الحق، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخيار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها. فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة، على خلاف السنة المأثورة؛ فمنه نشأ علم الكلام وأهله. ولقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله (تعالى) إليه، فأحسنوا الذب عن السنة، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة؛ ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها: إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم. وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئاً، فلم يكن الكلام في حقي كافياً، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً. لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذبّ بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحق بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق؛ ولا أبعدُ أن يكون قد حصل ذلك لغيري! بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ولكن حصولاً مشوباً بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات... "

الطريقة الجدلية ودخول المنطق الأرسطي في علم الكلام
تأسس علم الكلام من حيث الشكل والصورة على أساس طريقة البحث الجدلي، مستفيداً من مقولة "إن قلتَ، قلتُ" ؛ وعلى هذا الأساس، فعلم الكلام في الإسلام بنية جدلية وإقناعية / بحثية. وتدريجياً تشكلّت أساليب البحث الجدلي وأصول الجدل الكلامي، وآداب البحث والنظر وأسسها. وعادة يتكلم المتكلمون في كتبهم الكلامية عن هذا كله وعن النظر وضرورته وطريقته. ونشير هنا فقط أنّ لعلم الكلام بنية منطقية خاصة به، وأنّ طريقة البحث الجدلي عند المتكلمين وكذا طرق القياس والنظر تختلف تماماً مع نوعية الاستدلال البرهاني عند فلاسفة المسلمين.
فعلم الكلام الأشعري ومنذ مؤسّسه أبي الحسن الأشعري وخاصة بمساعي أبي بكر الباقلاني قد استفاد من طريقة الاستدلال الجدلي الكلامي، لأجل الاستدلال على العقائد الدينية بصورة منتظمة مبنيَّاً على سلسلة من الأصول الموضوعة لديهم ولكن مع أبي حامد محمد الغزالي تعرّف المتكلمون على المنطق الأرسطي ووجدوه الشيء المناسب للاستفادة منه في طرقهم الاستدلالية الكلامية للدفاع عن عقائدهم الدينية. وانطلاقاً من النظرة النقدية للغزالي تجاه مناهج المتكلمين الجدلية، اقترح الاستفادة من المنطق اليوناني الأرسطي في الأدلة الكلامية وفي الفقه، إذ إنه لم يكن يرى فيه مخالفة للشريعة؛ فكما هو معلوم آثر الغزالي المنطق الأرسطي على الطريقة الكلامية في الاستدلال ،وكتب كتباً عدة فيه ودافع عنه في مقابل "النظرية التعليمية" للإسماعيلية، والدعوة الجديدة لهم (أعني ضرورة وجود التعليم من قبل الإمام المعصوم للوصول إلی اليقين الديني) وهذا الاتجاه أثّر في الكتب الأصولية والفقهية وعلم الخلاف/ الجدل الفقهي فيما بعد، وعند المتكلمين والفقهاء من أهل السنة.
وهكذا تغير مسار علم الكلام مع الغزالي، فكان المتكلمون الأشاعرة بعد الغزالي ومع غياب المعتزلة عن المعترك الثقافي شرعوا في تأليف كتب في علم المنطق حسب المنطق الأرسطي، وصار علم المنطق أحد اهتماماتهم واهتمامات الأصوليين من السنة.

تفسير ابن خلدون لمسارات علم الكلام
انطلاقاً من وظيفة علم الكلام، يفسّر ابن خلدون (المتوفى سنة ۸۰۸ هـ) طريقة متكلمي الأشاعرة الأوائل (ما يسمى بطريقة المتقدمين) في كيفية الاستدلال ورؤيتهم بالنسبة للأدلة الكلامية وصلتها بالإيمان من جهة، وبقواعد منطق الاستدلال من جهة أخرى، قائلاً في المقدمة:
"... وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، فتصدر للإمامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار وذلك مثل: إثبات الجوهر الفرد والخلاء وأن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين. وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم. وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. فكملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية. إلا أن صور الأدلة فيها بعض الأحيان على غير الوجه الصناعي لسذاجة القوم، ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر بها الأقيسة لم تكن حينئذٍ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشيء فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك. ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني من أئمة الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي، فأملى في الطريقة كتاب "الشامل"، وأوسع القول فيه. ثم لخصه في كتاب "الإرشاد"، واتخذ الناس إماماً لعقائدهم. ثم انتشر من بعد ذلك علم المنطق في الملة. وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط يسبر به الأدلة منها كما يسبر من سواها. ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدتهم إلى ذلك. وربما أن كثيراً منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات. فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه القاضي فصارت هذه الطريقة في مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى، وتسمى طريقة المتأخرين."
وهكذا يفسر ابن خلدون دخول علم المنطق في المسار الكلامي، ويشرح بدايات "طريقة المتأخرين"، حسب مصطلحه، ويضيف قائلاً:
"... وبما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم. وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي رحمه الله وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم. ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحداً من اشتباه المسائل فيهما. واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته وهو نوع استدلالهم غالباً. فالجسم الطبيعي الذي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات هو بعض من هذه الكائنات. إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل. وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجود. وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فروضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزال الشكوك والشبه عن تلك العقائد. وإذا تأملت حال الفن في حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه صدراً بعد صدر وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة علمت حينئذٍ ما قررناه لك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه."

دور الغزالي في علم الكلام
هذا التفسير الخلدوني لمسارات علم الكلام، وخاصة الكلام الأشعري يعتبر تفسيراً مهماً وإن كانت هناك مآخذ على قسم من تفسيره، مثل ما أكده حول دور الباقلاني في نظرية الجوهر والأعراض، فمن المعروف أن البحث عن هذه الأمور بدأ مع المعتزلة وأبي الحسن الأشعري قبل الباقلاني بمدة بعيدة. أما بالنسبة للغزالي فلا بد ان نتذكر أيضاً أن دور الغزالي مقارنة بفخر الدين الرازي في تطبيق الطريقة الجديدة في علم الكلام كان ضئيلاً حسب ما نعرفه من كتب الغزالي الكلامية الموجودة، مثل كتابي "الاقتصاد" "وإلجام العوام". ويظهر من خلال كتاب الاقتصاد أنه كان يتحرك عموماً في إطار طريقة المتقدمين من علماء علم الكلام من الأشاعرة وغيرهم في كثير من المصطلحات والمفاهيم والأدلة؛ وکما لابدّ لنا أن نتذکّر أن تعرّف المتكلمون على المنظومة/ المنظومات الفلسفية الإسلامية وعلى آراء ابن سينا وغيره من الفلاسفة بدء منذ ما قبل عصر الجويني والغزالي وهذه الحركة بدأت في الواقع مع أبي الحسين البصري واقتراحاته الكلامية المستمدة من الفلاسفة، ومن طريقته في المزج بين الفلسفة وعلم الكلام بصورة خاصة، كما شرحنا سابقاً.
إضافة إلى ذلك؛ نعرف أن الغزالي قد كتب أيضاً في إطار الفلسفة، أو أنه كتب كتباً تأثر فيها بالفكر الفلسفي وابن سينا؛ إما من جهة التعريف بآراء الفلاسفة مثل كتاب "مقاصد الفلاسفة"، أو بسبب تعلقه ببعض أفكارهم وخاصة في كتبه التي لا تزال مدار بحث ومناقشة حول مدى صحة انتسابها إليه. ولكن حركته في التعرف على الفلاسفة والاستفادة من نهجهم المنطقي واصطلاحاتهم، فتح الباب على شرعنة الفلسفة في الإسلام وإن خالفه الكثيرون من الأشاعرة وأهل السنة وأصحاب الحديث من السنة في هذا الاتجاه فيما بعد؛ ولكن دخل معه المنطق في إطار التعليم المؤسساتي الديني إلى حدٍ ما وإن بشكلٍ بطيء؛ ولذلك فتح الطريق أمام الأشاعرة لكي يتعلموا الفلسفة والمنطق. ولا يمكن أن ننسى فضل المتكلم والعالم الشهير محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (المتوفى سنة ۵۴۸ هـ) في ذلك أيضاً من خلال كتبه الكلامية، مثل "نهاية الأقدام في علم الكلام" الذي تناول في هذا الكتاب آراء الفلاسفة، وردّ عليهم فيها وأيضاً من خلال كتاب الملل والنحل.
فمع النظرة الإيجابية للغزالي تجاه المنطق الأرسطي، فإن الفقهاء والأصوليين السنة قبلوا، وكما قلنا، بالمنطق الأرسطي وبدأوا بتعلمه وتعليمه، وصار هذا بدليل عملية الشرعنة التي بدأها الغزالي بالنسبة إلى المنطق الأرسطي، وكتبوا فيها في جانب اهتماماتهم بعلم أصول الفقه وأصول الدين (علم الكلام) وكذلك استفادوا منها في الفقه والأصول والعقائد. وكثر تدريجياً تدوين الكتب المنطقية من جانب الفقهاء السنة ومتكلميهم. ولكن بسبب الانتقاد الحادّ للغزالي للفلسفة وابن سينا في كتابه تهافت الفلاسفة، فإنهم وإن تعلموا المنطق (وأحياناً الفلسفة أيضاً)، إلا أنهم انتقدوا الفلسفة عندما تخالف الرؤية الكلامية السنية (الأشعرية أو الماتريدية)، وهكذا دخلوا في حوار نقدي مع الفلاسفة؛ خاصة وأنّ مع الغزالي أمكن لمتكلمي أهل السنة أن يتعلموا الفلسفة؛ لذا كانت تنتشر الفلسفة في خراسان والعراق ومصر انتشاراً واسعاً. ومع تعرّف المتكلمين الأشاعرة على الفلسفة وعلى كتب أبي علي ابن سينا أدرك المتكلمون عمق الاختلاف بين الاتجاه الفلسفي والاتجاه الأشعري، وسرعان ما انتقلوا إلى الرد عليهم؛ فلذلك فإنهم وإن تعلموا الفلسفة، ومهروا فيها أحياناً، فقد كانوا قلقين بالنسبة إلى عقائدهم الدينية والكلامية، وإن تأثروا في المصطلحات والموضوعات والمفاهيم أو الاستدلالات بالعالم المصطلحي والمفهومي للفلاسفة؛ فمثلاً في عصر فخر الدين الرازي وقبيل عصره تعلم بعض العلماء الفلسفة، إلا أنهم وجهوا انتقادات لها في نفس الوقت. ويمكن أن نذكر في هذا المجال أفضل الدين الغيلاني (الذي كان حياً سنة ۵۷۶ هـ) الذي كتب كتباً حول حدوث العالم، وانتقد فيه الفلاسفة. وكان هذا الاتجاه اتجاهاً جدلياً في تقديم الشكوك على الفلاسفة والمناقشة لبراهينهم.

الاتجاه الفلسفي في علم الكلام ودور الفخر الرازي
ومع فخر الدين الرازي، تعرّف علم الكلام بصورة أكثر على الفلسفة والمناهج والمصطلحات الفلسفية. وهذه الحركة بدأت معه ومع معاصريه أمثال سيف الدين الآمدي (المتوفى سنة ۶۳۱ هـ)، المتكلم الأشعري المعروف. وقد تأثر الفخر الرازي بالنهج الفلسفي في كتبه الكلامية وفي الأدلة الكلامية، مستفيداً من المنطق الأرسطي والطريقة الفلسفية للدفاع عن الآراء الكلامية حسب المذهب الأشعري، وكذلك في كيفية تقديم وتأطير المسائل، وفي المشكلات الفلسفية، وفي النهج المنطقي. كما أنه انفتح على الفكر الكلامي المعتزلي وخاصة آراء أبي الحسين البصري في العقائد الدينية أو في المباحث الكلامية. وقد كتب الرازي كتباً في الحكمة (الفلسفة) مثل الملخّص والمطالب العالية، وكتباً في الأصول (أصول الدين/الكلام) مثل الأربعين في أصول الدين وغيره؛ وكان يعالج المسائل الكلامية من منطلق قريب من منهج الفلاسفة. وقد استفاد من أساليبهم ومن نظرتهم للمسائل في تدوين الكتب الكلامية. ولكن هذه الحركة، أعني تدوين كتب فلسفية من قبل متكلم على مستوى فخر الدين الرازي كان له أثر إيجابي في الاتجاه الفلسفي لعلم الكلام، وفي تعرّف المتكلمين على الفلاسفة والنهج الفلسفي.
وكما قلنا، كانت تتزامن وتتسابق مع هذا الاتجاه حركة النقد والاعتراض على الفلسفة من قبل المتكلمين، وخاصة من قبل متكلمي السنة. وقد شهد القرن السادس اتجاهاً نقدياً تجاه ابن سينا عند الفلاسفة أنفسهم ونراه عند أبي البركات البغدادي (المتوفىسنة ۵۴۷ هـ) في الشرق، وعند ابن رشد (المتوفى سنة ۵۸۰ هـ) في المغرب الإسلامي. ومن بين معاصري الفخر الرازي هناك الاتجاه النقدي عند عبد اللطيف البغدادي (المتوفى سنة ۶۲۹ هـ) أيضاً. فبعد كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي، بدأت حركة النقد للفلسفة من قبل المتكلمين، وكان الفخر الرازي قد تصدّى لمناقشة أفكار الفلاسفة أيضاً وبصورة منتظمة، وعادةً ما يذكر في كتبه مناقشاته ومجادلاته وإشكالاته على الفلاسفة؛ مستفيداً من النهجين الفلسفي والكلامي في الوقت نفسه؛ وقد شرح "الإشارات" لأبي علي ابن سينا، وتصدى فيه للرد عليه وعلى الفلاسفة كلما رأى حاجة إلى ذلك في ما اختلفت رؤية الفلاسفة مع أنظار ومعتقدات الأشاعرة الكلامية؛ واستفاد الفخر من أبي البركات البغدادي أيضاً في انتقاداته وشکوکه علی ابن سينا.
وقد أحدثت منهجية الرازي في الجمع بين الفلسفة والكلام أثراً على الفكر الكلامي للأجيال التالية لأن معه امتزج بين الفلسفة والكلام بحيث إنه تغيَّر الأمر بصورة كبيرة عما كان عليه في الكتب الكلامية فيما سبق فيما يتصل بتقديم المسائل والبحث عن الإشكاليات والقضايا. هذه الحركة قد أثرت أيضاً في الفكر الفلسفي؛ فالفلسفة تأثرت فيما سبق منذ الكندي (المتوفى حوالي سنة ۲۵۲ هـ)، والفارابي (المتوفى سنة ۳۳۹ هـ) وابن سينا بالمسائل والمشكلات الكلامية، ودخلت في هذا المضمار مصطلحات وموضوعات كلامية داخل العالم الفلسفي؛ والفلاسفة هكذا كانوا يتكلمون عن الموضوعات الدينية مثل النبوة والمعاد وأحكام أهل الآخرة وأمثالها وخاصة فيما اصطلح عليه بالإلهيات بالمعنى الأخص، بحيث كانت تختلف كتبهم وطرقهم عن الفلسفة المترجمة؛ ولكن بعد ظهور الفخر الرازي ومع حركة تأثر علم الكلام بالفلسفة، انطلقت حركة فلسفية عند المتكلمين؛ ولذلك فإن الأبحاث الفلسفية كانت تبرز في كثير من الأحيان في صورة الإشکاليات الکلامية، وكثيراً ما كان عالم واحد يكتب كتباً في الفلسفة وأخرى في علم الكلام في الوقت نفسه، وجرت العادة بالكتابة بكلتي الطريقتين على أساس التقليد الخاص عند الفلاسفة أو التقليد الکلامي. ودأب المتكلمون السنة أيضاً، وبعد عصر الفخر الرازي في كتابة كتب في موضوعي المنطق والكلام معاً، مثل كتاب "مطالع الأنوار" لسراج الدين الأرموي (المتوفى سنة ۶۸۲ هـ) في الموضوعين.
وكانت ذروة هذه الحركة ظهرت مع الخواجة نصير الدين الطوسي في كتابه "التجريد في المنطق والعقائد"، وقد استفاد فيها من المصطلحات والاستدلالات والموضوعات الفلسفية.
ويضيف ابن خلدون مفسّراً هذا الاتجاه الجديد:
"ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة؛ بحيث لا يتميز أحد الفنّين عن الآخر. ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في "الطوالع" ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تأليفهم. إلا أن هذه الطريقة قد يعنى بها بعض طلبة العلم للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج لوفور ذلك فيها. وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام فإنما هو في الطريقة القديمة للمتكلمين وأصلها كتاب الإرشاد وما حذا حذوه. ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصطلاح القديم فليس فيها من الاختلاط في المسائل الالتباس في الموضوع ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم."
وأما عند الإمامية فمن المعروف أنه قبيل الخواجة نصير الدين الطوسي كان هناك اهتمام بالفلسفة في أوساط المتكلمين الشيعة؛ فمثلاً يمکن لنا أن نذکر ابن سعادة البحراني (القرن السابع الهجري) وهو متكلم إماميّ قد شرح الخواجة نصيرالدين الطوسي رسالته في العلم؛ وابن سعادة كان بدوره أستاذ متكلم إماميّ آخر وهو علي بن سليمان البحراني (القرن السابع الهجري) الذي كتب كتباً في علم الكلام، وكان يتأثر بالفلسفة وله اهتمام بها. ونعرف أيضاً متكلماً إمامياً تأثر بأبي الحسين البصري وبالفلاسفة أيضاً وهو ابن ميثم البحراني (المتوفى سنة ۶۷۹ هـ) والذي كتب كتاب "قواعد المرام في علم الكلام"، ويقال أنه كان تلميذ الخواجة في علم الكلام، وكان الخواجة في المقابل تلميذه في الفقه. ومن هنا يمكن أن نقول أنه كان هناك نهضة فلسفية كلامية عند الإمامية في البحرين في القرن السابع الهجري؛ إلا أن اهتمام الشيعة الإمامية بالفلسفة بشكلٍ كبير بدأ مع العلامة الحلي، وبوحي من الخواجة نصير الدين الطوسي.

مدرسة خواجة نصير الدين الطوسي الكلامية
ومع الأخير بدأت حركة كلامية فلسفية جديدة، فقد اهتم الخواجة بالفلسفة بشكلٍ واسع وشرح كتاب "الإشارات والتنبيهات" لأبي علي ابن سينا، وردّ فيه على الفخر الرازي في مناقشاته على ابن سينا ودافع عن الأخير، وكتب أيضاً ردّاً على الكتاب الكلامي المشهور للفخر الرازي الموسوم بالمحصّل. وقد سمّى بنقد المحصّل، وقد دافع فيه عن الفلاسفة وابن سينا في مقابل شكوك الفخر الرازي عليهم، ومهّد أيضاً الطريق إلى مزج الفلسفة وعلم الكلام؛ كما كتب ردّاً على تاج الدين الشهرستاني في ردّه على الفلاسفة الموسوم "بمصارعة الفلاسفة"، وسماه "مصارعة المصارعة"، وكتب عدة رسائل وكتباً في الفلسفة أو الموضوعات الفلسفية. وفي الوقت نفسه كتب الخواجة في علم الكلام بالطريقة الجديدة، واستفاد في طريقته الكلامية من الاصطلاحات والمفاهيم والاستدلالات الفلسفية والنهج الفلسفي، وتكاملت عنده الطريقة التي بدأها الفخر الرازي، وبهذا تغيّر نموذج الكتب الكلامية تماماً عمّا كان فيما سلف. وقد اعتمد الخواجة علی كثير من العقائد الكلامية أيضاً، وإن تحفظ على بعض منها، وكتب كتابه الشهير "بتجريد الاعتقاد" الذي صار المتن النموذجي في علم الكلام المتأخر، وحتى الآن صار كتاباً كلاسيكياً قد شرحه و علق عليه كثير من المتكلمين، ومن أهم الشروح شرح تلميذه العلامة الحلي الذي استمرّ في نهج أستاذه. ومع الخواجة وتلميذه العلامة الحلي دخلت الفلسفة في صُلب التعليم الديني الشيعي إمّا من طريق علم الكلام، وإمّا من طريق الفلسفة نفسها، وصار الاهتمام بكتاب "الشفاء" أو "كتاب الإشارات والتنبيهات"، أو كتب الشيخ شهاب الدين السهروردي المعروف بشيخ الإشراق (المتوفى سنة ۵۸۷ هـ) إحدى اهتمامات علماء الشيعة، المتكلمين منهم والفقهاء بحيث إنهم كانوا عادة يكتبون شروحاً وتعليقات على الكتب الفلسفية والكتب الكلامية في الوقت نفسه، وخاصة على كتاب تجريد العقائد.
إذاً، بعد عصر الخواجة نصير الدين ومع اهتمامه بتقديم علم الكلام في شكله الفلسفي الجديد أصبح الكلام كلاماً فلسفيّاً؛ ولذلك، فإن المتكلمين خرجوا من التقليد الكلامي المعهود عندهم، خاصة عند الشيعة الإمامية وكتبوا كتباً كلامية في الطريقة الجديدة. فبعده قد خلط المسار بين الفلسفة وعلم الكلام، بحيث صار العلماء يكتبون في الوقت نفسه كتباً فلسفية وكلامية؛ لذا فإن للخواجة تلاميذ هم فلاسفة من أمثال قطب الدين الشيرازي (المتوفى سنة ۷۱۰ هـ) قد أثّروا على الحركة الفلسفية.

علم الكلام منذ عصر الخواجة إلى عصر مدرسة أصفهان
بالتوقف عند العلامة الحلي، نراه قد ناقش أحياناً الفلاسفة كأستاذه الخواجة، ولكنه مع قبوله بعض الأفكار الكلامية لأبي الحسين البصري، قد استفاد من طريقة الأخير، وطريقة الخواجة لكي يخفف من وطأة الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في كثير من المسائل. وكتب العلامة عدة كتب فلسفية وعلى طريقة الفلاسفة أيضاً، كما كتب كتباً كلامية مهمة وعلى طريقة التجريد؛ ومن الكتب الكلامية للعلامة الحلي كتيّب مختصر تحت عنوان "الباب الحادي عشر"، يشتمل على دورة كاملة من أبواب علم الكلام وأصول الدين، وقد اعتنى بهذه الرسالة كثير من علماء الشيعة وشرحوها، وعلقوا عليها حتى أصبحت الرسالة مع شروحها مجالاً للدرس والتدريس في الحوزات العلمية الدينية في إيران والعراق ولبنان، مثلها مثل "كتاب التجريد" وشروحه. وقد كتب قطب الدين الرازي (المتوفي سنة ۷۷۶ هـ)، الفيلسوف المشهور كتاب "المحاكمات" في شرح الإشارات وهو من تلاميذ الحلي ومن تلامذة المتكلم الأشعري عضد الدين الإيجي (المتوفى سنة ۷۵۶ هـ) أيضاً، ولذلك كانت الصلة بين الكلام والفلسفة أخذت طريقها.
ومن الملفت للنظر أن الفقيه الكبير الإمامي الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (المتوفى سنة ۷۸۶ هـ) كان من تلاميذ القطب الرازي، ولذلك سرعان ما دخلت الفلسفة في إطار التعليم داخل المؤسسة الدينية عند الإمامية. نعم هناك علماء وفقهاء شيعة اهتموا فقط بعلم الكلام وبكتاب التجريد وشروحه وبكتب كلامية أخرى من دون الاهتمام بالفلسفة، ولكنهم تأثروا بالتقليد الفلسفي للخواجة في كتابه "التجريد"، واهتموا بعلم المنطق أيضاً. وهناك علماء سنة أيضاً كانوا يهتمون فقط بعلم الكلام والمنطق تأثراً بفخر الدين الرازي، والخواجة نصير الدين الطوسي في اتجاه "الكلام الفلسفي"؛ فكما قلنا، فإنّ المتكلمون الأشاعرة والماتريدية بعد عصر فخر الدين الرازي والخواجة نصير الدين الطوسي بدأوا بتقديم كتب كلامية في طريقته الجديدة تأثراً بأحدهما أو بكليهما مثل القاضي البيضاوي (المتوفى سنة ۶۸۵ هـ) صاحب كتاب "طوالع الأنوار"، وسراج الدين الأرموي صاحب "مطالع الأنوار"، وعضد الدين الايجي صاحب كتاب المواقف، وسعد الدين التفتازاني (المتوفى سنة ۷۹۲ هـ) صاحب "شرح المقاصد" و"شرح العقائد النسفية" الذي كان تلميذاً للايجي ومن بينهم أيضاً شمس الدين الأصفهاني (المتوفى سنة ۷۴۹ هـ)، ومير سيد شريف الجرجاني (المتوفي سنة ۸۱۶ هـ)، صاحب شرح المواقف وكثير من الكتب الكلامية، وعلاء الدين القوشجي (المتوفى سنة ۸۷۹ هـ) والملاّ جلال الدواني (المتوفى سنة ۹۰۷ هـ)، الذي كان بدوره تلميذاً للسيد مير شريف الجرجاني؛ وكذلك في هذا المجال أعني مدرسة شيراز الفلسفية، نعرف صدر الدين الدشتكي (المتوفى سنة ۹۰۳ هـ)، وابنه غياث الدين الدشتكي (المتوفى سنة ۹۴۸ هـ)، وشمس الدين الخفري (المتوفى سنة ۹۵۷ هـ)، الذي كان من تلامذة صدر الدين الدشتكي؛ وغيرهم وكانوا يقدمون كتباً ورسائل كلامية وفلسفية في الوقت نفسه، وقد اهتموا بكتابة الشروح والتعليقات والحواشي على أمّهات الكتب الفلسفية والكلامية، وفي هذه الشروح والحواشي كانوا يبدون آراءهم حول الكـلام الفلسفي والفلسفة.
ولذلك قد أخذ الكلام طابعاً فلسفياً، وفي المقابل أخذت الفلسفة طابعاً دينياً كلامياً أكثر؛ وبهذا الشكل مهّد الطريق لكي تقترب الفلسفة وعلم الكلام، وفي جانبهما العرفان النظري (في ثوبه الموجود عند محي الدين ابن العربي، المتوفى سنة ۶۳۸ هـ) ثم لتتجه إلى الامتزاج عند صدر الدين الشيرازي المعروف بملا صدرا (المتوفى سنة ۱۰۵۰ هـ) وفي حكمته الموسومة "بالحكمة المتعالية" متأثّراً بالسيّد حيدر العاملي (المتوفى بعد سنة ۷۸۲ هـ) وابن أبي جمهور الأحسائي (الذي كان حياً سنة ۹۰۴ هـ) الذين مهَّدا هذا الطريق لصدر الدين الشيرازي.
ففي مدرسة شيراز الفلسفية نجد أنهم، - وكما رأينا - اهتموا بعلم الكلام بحيث إنه كانت هناك مسائل فلسفية وكلامية تعالجان في إطارٍ مشترك، وإن كان هناك مجالٌ أيضاً لدراسة الفلسفة في شقّيها المشائي والإشراقي، بصورة مستقلة وعلى أساس المتون الأساسية "كالشفاء" أو "الإشارات" أو "حكمة الإشراق" بصرف النظر عن مدى الاعتقاد الكلامي باستلزاماتها؛ ولذلك حفظ التقليد الفلسفي، وإن كان ممتزجاً أحياناً بعلم الكلام ومسائله، ولكن بشكلٍ مهد الطريق إلى ظهور شخصيات فلسفية وخاصة عند الإمامية أمثال محمد باقر الميرداماد (المتوفى سنة ۱۰۴۰ هـ) والملا صدرا في مدرسة أصفهان الفلسفية؛ في حين أنّ عند أهل السنة صار الكلام الفلسفي بديلاً عن الفلسفة ذات الذات الهلنيستي، ولهذا السبب بات يعرف بين المستشرقين وغيرهم مقولة "أن الفلسفة الإسلامية انتهت بابن رشد في المغرب الإسلامي."
شنبه ۳۰ آذر ۱۳۸۷ ساعت ۰:۰۳
نظرات



نمایش ایمیل به مخاطبین





نمایش نظر در سایت